هل بدأت مرحلة تهيئة بديل "الشرع"؟

20.10.2026 | 17:06

يقدم رئيس التحرير نضال معلوف، عبر برنامجه التحليلي في البث المباشر ، قراءة تفصيلية ومستفيضة للتطورات السياسية والاقتصادية الميدانية في سوريا، متسائلاً عما إذا كانت القوى الدولية والنخب السورية قد بدأت بالفعل في التخلي عن إدارة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) وتهيئة الأرضية لبديل سياسي جديد.

يستند التحليل إلى تقييم شامل للتغييرات الحكومية الأخيرة، والمواقف الدولية والإقليمية، وتصريحات شخصيات معارضة بارزة—وفي مقدمتها الدكتور برهان غليون—إلى جانب قراءة واقع الانهيار الاقتصادي وحالة الاحتقان الشعبي الداخلي.

 

 

1. التغيرات الهيكلية الداخلية وتراجع الدعم الدولي

يرى رئيس التحرير نضال معلوف أن الإقالات والتعديلات الأخيرة في سوريا لا يمكن قراءتها خارج سياق "فقدان الأمل الدولي" بإدارة الشرع. ويستدل على ذلك بخطوتين أساسيتين:

  • إقالة رئيس الشركة السورية للنفط (قبلاوي): كان قبلاوي محسوباً على التكنوقراط ويمثل—وفق التقديرات—المصالح الدولية والإقليمية (الأمريكية والقطرية والسعودية) لضمان الاطلاع على الواردات النفطية. أدى إبعاده وتعيين شخصية تنتمي لهيئة تحرير الشام (أبو معتز إفران) إلى إنهاء حلقة الوصل التكنوقراطية واستعادة الهيئة للسيطرة المباشرة على الموارد.
  • تقليص دور وزير الاقتصاد (نضال الشعار): تجريد الشعار من صلاحيات الصناعة والتجارة الداخلية وتعيين شخصية من هيئة تحرير الشام (حكومة الإنقاذ سابقاً) وتحويل الشعار إلى منصب مستشار فخري، وهو مؤشر على انسحاب التكنوقراط والدول الداعمة لهم من واجهة المشهد، مما يترك الشرع في مواجهة مباشرة مع المصير المعقد.

الدلالات الدبلوماسية

يؤكد معلوف أن المشاركة الأخيرة للشرع والشيباني في الجمعية العامة للأمم المتحدة واجتماعات المصرع الإسلامي أظهرت عزلة سياسية؛ إذ اقتصرت اللقاءات المعلنة على مسؤولين عراقيين ووزير الخارجية المصري، مع غياب كامل لللقاءات العلنية مع المسؤولين الأتراك، وهو أمر له دلالات عميقة نظراً لأن الشيباني يُحسب على أنه رجل تركيا في الإدارة.

2. برغماتية الموقف الأمريكي وتناقضات ترامب

في تحليله للموقف الأمريكي، يفند نضال معلوف الرهان على دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشرع، موضحاً التناقض الصارخ في السياسة الأمريكية:

  • خطاب ترامب المحلي: هاجم ترامب مرشحين في الداخل الأمريكي (مثل عبدالرحمن السيد في ميشيغان) واتهمهم بـ "الجهادية" والارتباط بالإخوان المسلمين، مستخدماً هذه التهمة كأكبر جريمة وسلبية، واعتبر صاحبها عدواً للولايات المتحدة.
  • التعامل مع الشرع: في المقابل، يمتدح ترامب الشرع ويصرح بدعمه، وهو ما يفسره معلوف بأنه نفاق سياسي قائم على المصالح الاقتصادية والتجارية البحتة (بأسلوب رجال الأعمال كترامب وتوم باراك)، وليس إيماناً بنموذج الشرع أو حرصاً على مصالح السوريين.
  • النتيجة: ترامب لن يرتضي أن يكون شخص ذو خلفية جهادية جزءاً من القرار في واشنطن، لكنه يقبل به كرئيس مطلق الصلاحيات في سوريا لتنفيذ مصالح خارجية وإسرائيلية. ومتى ما عجز الشرع عن تحقيق هذه المصالح، سيتم التخلي عنه تلقائياً.

3. تصريحات برهان غليون وملامح مشروع البديل الديمقراطي

يشكل المقطع المرئي للمفكر والمحاضر في جامعة السوربون ورئيس المجلس الوطني السوري السابق، الدكتور برهان غليون، نقطة ارتكاز محورية في تحليل نضال معلوف، حيث يرى فيه إشارة واضحة إلى وجود مشروع بديل مدعوم دولياً.

اقتباس متلفز للدكتور برهان غليون: "أنا بقصد... ما إلها معنى الرئاسة إلا إذا كانت مبنية على برنامج عمل، وبالتالي في وراها قوة... منظمة قادرة تنفذ وتساهم وتدفع باتجاه تنفيذ برنامج عملي. هلا أنا برنامجي العملي إنه تتحول سوريا لدولة ديمقراطية... مشان هيك هلا لو كنت هلا بدي أكون ريشة بمهب الريح، هلا أنا مش ريشة بمهب الريح لأنه عم اشتغل على شيء لازم ينشغل عليه حتى تصير في دولة ديمقراطية."

النقاط الأساسية التي استخلصها معلوف من كلام غليون:

  1. سقوط مشروع "الإمارة": أكد غليون أن مشروع الشرع في إدارة سوريا وفق "نموذج إدلب" (مشروع الإمارة ومركزة السلطة بيد مجموعة محددة) قد فشل تماماً ولا يمكن تطبيقه على كامل سوريا.
  2. وجود قوة ودعم للمشروع البديل: تصريح غليون بكونه ليس "ريشة في مهب الريح" يعكس وجود تفاهمات وقوى دولية تسانده لتطبيق برنامج تحول ديمقراطي تدريجي.
  3. حتمية التغيير: السلطة الحالية تعيش مازقاً حقيقياً خلال الأشهر الأخيرة، وهي عاجزة عن استخدام أدوات القمع السابقة لأن ذلك سيفجر ثورة جديدة، في ظل انهيار المستويات المعيشية.

4. المأزق الاقتصادي واستحالة إعادة الإعمار

يشير معلوف إلى أن الشريحة الأكبر من المتضررين في سوريا هي الطبقات الشعبية التي تواجه الجوع والعجز المالي، إضافة إلى ملف العقارات والاستملاك:

  • الصندوق السيادي ورئاسة السلطة: انتقال الأراضي المستملكة وأملاك الدولة إلى الصندوق السيادي التابع لرئاسة الشرع مباشر جعل الخصم الحقيقي للمواطنين المتضررين هو رئيس السلطة نفسه، وليس وزراء الإسكان أو الخدمات.
  • ملف إعادة الإعمار: يؤكد معلوف كحقيقة حتمية أنه لن يتم وضع حجر واحد في عملية إعادة الإعمار في سوريا طالما بقي الشرع في السلطة؛ نظراً للرفض الدولي لبناء أي شتات استثماري أو ضخ مليارات مع وجود شخصية تصنف كـ "جهادية" على رأس السلطة.

5. خريطة الطريق للمرحلة الانتقالية والعدالة

من خلال قراءة الطرح الذي قدمه غليون وتبناه معلوف، تتلخص معالم المرحلة القادمة وتأسيس دولة القانون في عدة خطوات رئيسية:

  1. إعادة بناء الفضاء السياسي: إصدار قانون أحزاب مؤقت، وتفعيل العمل النقابي الحر، ودعم منظمات المجتمع المدني.
  2. الانتخابات المحلية: البدء فوراً بانتخابات المجالس البلدية والمحلية وعدم إرجائها لسنوات؛ لتدريب المجتمع على المشاركة والمسؤولية السياسية من القاعدة إلى القمة.
  3. تشكيل مجلس وطني انتقالي: مجلس يضم القوى الوطنية السورية الكفؤة بغض النظر عن انتمائهم الديني، لقيادة مرحلة الانتقال السياسي وفق قرارات الشرعية الدولية (2254).
  4. العدالة الانتقالية والمصالحة: مفهوم العدالة الانتقالية ليس مجرد محاكمات انتقائية أو انتقام، بل هو "جبر الضرر، كشف الحقائق، وإعادة هيبة وسيادة القانون باثر رجعي على الجميع" للوصول إلى مصالحة وطنية شاملة تنهي الخصومات الطائفية والسياسية.                                                                                                                                                                                                                                                

يختتم نضال معلوف بالتاكيد على أن المسار الديناميكي في سوريا وصل إلى نقطة انسداد لا يمكن علاجها بالترقيعات الشكلية أو التعديلات الوزارية. إن العزلة الدولية، والانهيار المعيشي، وتراجع الحصانة الإعلامية والسياسية التي تمتع بها الشرع خلال السنتين الماضيتين، تشير جميعها إلى أن القوى الفاعلة والنخب السورية المستقلة والأكاديمية تتجه نحو صياغة مشهد جديد، يعتمد على بناء مؤسسات دولة القانون، والتحول الديمقراطي التدريجي، وإنهاء مرحلة "أمراء الحرب والإمارات" لصالح دولة مدنية تمثل كافة السوريين.



Contact
| إرسال مساهمتك | نموذج الاتصال
[email protected] | © 2025 syria.news All Rights Reserved